دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

انتابتني الرغبة للوصول إلي حل نهائي تجاه المشكلة التي اعترضتنا بالأمس ، لابد أن أحدثها الآن بالتليفون ، أوضح وجهة نظري وإصراري على رأيي . تحركت ببطء ، رفعت السماعة ، طلبتها وانتظرت :
- هل أراكِ اليوم ؟
- طبعـًا لا .
أردفت قائـلاً بعد فترة صمت خاطفة :
- ربما في الأسبوع القادم !
وضعت السماعة دون تفاصيل أو تحديد موعد ، أغلقت النافذة ، وأنا لا أدرى بما يدور في رأسي سوى الرغبة في الخروج من صندوق القلق ، وكل شئ يحيط به . فتحت الباب ، نزلت إلي الشارع .
تلقفني وجه الشمس الحار ، زاد من توتري ما لفظه في وجهي من عرق . أخرجت منديلاً ورقيـًا ، جففت عرقي ، أطبقت عليه بإصابعي ، تخلصت منه في أول صندوق مثبت على عمود الكهرباء . قذفني الشارع للميدان حيث المسجد الكبير ، الرجال يخرجون منه ملتحمة أجسادهم ، حاملين نعشـًا مسجى بغطاء أخضر ورسومات خطية تبرز منه بلون أبيض ، يتحركون في كتلة واحدة ، من بينهم يخرج صوت منتظم الإيقاع ، وجدتني منساقـًا معهم أردد لحنهم .. تساءلت عن ذلك الميت :
- هل أعرفه ؟!
- هل يعرفني ؟!
- ولِمَ أتبعه ؟!
انتبه لبعض النسوة المتشحات بالسواد ، أجول ببصري فيمن حولي ، أدقق النظر ، لا أجد أحداً أعرفه ، أبطئ الخطو لأقطع نفسي من كتلتهم .
تنفرد المسافة بيني وبينهم ، يغيبون في بطن الطريق ، جارين خلفهم دمدماتهم. بكاء النسوة يضرب الحوائط . أبواب المحلات تنغلق واحداً تلو الآخر على من بداخلها ، وتنفتح بعد مرور الموكب .
أقترب من بائع الجرائد الذي أكل الرصيف ، كثيراً ما مررت من هنا ، بدأ بنوع واحد من الجرائد ، يومـًا بعد يوم ، خرجت له زوائد ، تشعب كإخطبوط حتى احتل كل الرصيف مغلقـًا الطريق أمام أقدام المارة ، مثله مثل كل الأكشاك . مددت بصري على معروضات الثقافة .. لم أشتر .. واصلت سيرى إلي لا شئ ، أهيم على وجهي بين زحام المارة ، وأبواق البائعين في كل مكان تدق أذنيَّ بمطرقة ساخنة .
اصطدمت بقدم مفرودة ، كدت أسقط ، جمعت نفسي من ترنحها ، عدت .. نظرت خلفي .. رأيت رجلاً يجلس ممدداً قدمه اليسرى أمامه ، فارداً يده اليمنى فوقها ، مغلقـًا عينيه ، وكُم جلبابه الأيسر لا جسم بداخله ، كذلك القدم اليمنى لا تظهر ..
لا أدرى هل يثبتها تحته أم أنها غير موجودة بالفعل ؟
تزحف يدي في جيبي ، تراودني فكرة أن أملأ يده الممدودة وأعطيه نقوداً ، أعدل عما يدور في رأسي ، أُدخل يدي الأخرى في جيبي الآخر ، أواصل السير ويداى مخبأتان داخلي ، كثيراً ما أفكر في إعطاء الشحاذين لكنني في كل مرة أتراجع في اللحظة الأخيرة ، أشعر بحلقي يجف ، أهش ذبابة تحوم حول أنفى ، أدخل في أول مقهى في طريقي ، أجلس مبتعداً عن رواده .
طلبت فنجانـًا من القهوة الزيادة ، أتأملهم فأجدهم مندمجين في اللعب . صوت النرد يضرب رأسي . تعلمتها وأنا صغير ثم مللتها وصرت غريبـًا عنها .
يقفز إلي رأسي ما حدث قبل خروجي ، رأيته حاضراً أمامي بكل تفاصيله . يزاحمني النادل ، يلقى بالقهوة أمامي في حركات بهلوانية . كوب الماء يشد عطشى إلي شفتيَّ ، أتناوله ، أشربه عن آخره ..
فجأة قطبت حاجبيَّ .. أتت الذبابة خلفي تشم أنفى ، أهشها ، تذهب .. تعود مهاجمة ، فقدت هدوئي ، طرحت يدي بعنف ، تمكنت منها .. سقطت في فنجان القهوة ، شعرت بسعادة التخلص من العدو ، بالرغم من فقدي للقهوة ، أخرجت جنيهـًا ، طرحته على الترابيزة .
تحركت ببطء ، ناظراً في اللافتات المصوبة تجاه المارة ، معلنة عن بدء موسم الأوكازيون الصيفي . يتزاحم الناس على الشراء . اليوم يبدو كما لو كان يومـًا آخر غير الأيام المعروفة في الشوارع ، لم يفهموا رغبة أصحاب المحلات والبائعين في التخلص من بطون محلاتهم ، اضطررت تحت الزحام أن أقف أمام محل للملابس .. تخفت أضواء النيون ، تندفع مرة واحدة ، فيصبح لأضواء النيون وجوهـًا تترصدنى .
أعجبت بقميص مخفض إلي نصف ثمنه ، دخلت المحل ، طلبته ، دلفت إلي حجرة البروفة ، ليس سيئـًا ، ألقيته عنى ، عدت إلي هيئتي الأولى ، كتب البائع الفاتورة ، ذهبت للخزينة ، دفعت المبلغ ، أخذت كيسـًا أطوحه في الهواء من آن لآخر .
لا أشعر برغبة في العودة إلي المنـزل ، قفز إلي مخيلتي صديق قديم ، وجهت خطواتي تجاه تليفون العملة ، أخرجت خمسة قروش ووضعتها في فم التليفون .
.." عند سماع إجابة اضغط الزر " .. أجمع رقمه في ذاكرتي .. 3 ، 6 ، 5 ، .. سمعت صوت صديقي ، ضغطت الزر الأحمر ، ابتلع العملة وانقطع الخط .. أدقه بعنف .. أعلق السماعة ، أبحث عن عملة أخرى ، أنظر في ساعتي .. الثامنة والنصف .. ماذا لو أذهب إلي السينما ؟ .. لم يبق سوى نصف ساعة على بدء العرض .. أقترب من الدار ، أقطع تذكرة بلكون ، لم أتحرك تجاه الأكلاشيهات في المدخل ، بالكاد عرفت اسم الفيلم ولم يبق في رأسي ، اصطحبني رجـل بكشاف صغير ، ينيره أمامه بالرغم من بهرجة اللمبات الجانبية . جلست في نهاية الصف ، أعطيته بقشيشـًا .. وضعه في يده ، سلط عليه ضوء الكشاف وهو يستدير .. لمحت نظرة صفراء في عينيه .. تركني ومضى لاستقبال القادمين .
جلست أُعد الداخلين .. رجل .. امرأة .. رجلان .. خمسة شباب .. فتاة .. ثلاثة فتيات .. مللت العد ، عدت إلي رأسي ، أسندته للخلف ، صوبت عينيَّ تجاه السقف ، أغلقتهما على الضوء وتفككت شيئـًا فشيئـًا .
خلعت الحذاء تحت قدميَّ ، انسحبت للأمام قليلاً وغبت .. فتحت جفوني .. لم أدرٍ كم مر من الوقت ، ولم أر إلا منظر الشاشة والظلام يحيط بي .. بدأ العرض دون أن أنتبه ، تلصصت على من حولي ، كُل مندمج مع من بجانبه ، لا أعتقد أن أحداً يشاهد الفيلم .. ثبت نظري تجاه الشاشة .. حركات سريعة .. قفزات في الهواء .. ركلات بالأيدي والأرجل ..
لا أحب هذه النوعية من الأفلام ، جمعت أشيائي ، لبست الحذاء ، خرجت ، ألقيت بالتذكرة تجاه شباك التذاكر ، عدت من نفس الطريق .
أصبحت قدماي كما لو كانتا شريطـًا يعود للخلف ، نفس المشاهد حتى وصلت إلي البيت ، صعدت ، أدرت المفتاح دورتين ، دخلت مغلقـًا الباب بقدمي ، تراجعت لأتأكد من وضع سقاطة الأمان ، قذفت الكيس على كنبة الصالة ، تخلصت من ملابسي ، دخلت الحمام ، فتحت الدش ، دندنت بكلمات أغنية قديمة وأنا تحت الماء ، أغسل تعبي .
جففت جسمي ، دخلت المطبخ ، أعددت كوبـًا من الشاي وأكلت معه قطعة خبز ، جلست على المكتب ، تناولت الكتاب الذي قرأت جزءاً منه في يوم سابق ، فتحته وبدأت ..
سرحت في الحلول الممكنة لتجنب التوتر الذي حدث معها ، أخيراً وصلت إلى الحل ، قررت أن أحدثها غداً ، أعرض عليها الأمر .

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية