يعاني مفهوم الدنيا (شأنه شأن الكثير من المفاهيم القرآنية) تشوهاً كبيراً، أفقده معناه وحيويته وحضوره في عملية البناء الحضاري للإنسان المسلم والأمة الاسلامية، فكان أحد بوابات التخلف والسلبية التي يعاني منها العقل المسلم .
الدنيا هي وعاء الحياة بعناصرها كافة، فالدنيا هي الاقتصاد وهي السياسة وهي الفكر وهي الثقافة وهي الدين وهي الحب وهي العقل وهي العمل، إنها البغض والرضا، والسخط والقبول، إنها اللعب واللهو والتكاثر، إنها الجد والمثابرة، إنها كل الفعاليات الإنسانية التي يمارسها البشر وهم يبنون حاضرهم ومستقبلهم.
إن الدنيا في ضوء القرآن الكريم هي وعاء حياتنا المكاني، فيها نفكر ونعمل وننهض ونكبو ونعمّر وندمر، غير أن الابتعاد عن القرآن الكريم في بناء منظوماتنا القيمية والمعرفية والحضارية، ضيع جهداً كبيراً في مسيرة النهضة والتقدم الاسلاميين، بفعل عملية (تجهيل) مقصودة أو غير مقصودة، لنصوص القرآن الكريم، وهو النص المؤسس للإسلام، من خلال تغليب الاجتهادات الفردية والمذهبية عليها، أو في أحسن الاحوال تغليب بعض الأحاديث على القرآن الكريم بحجة أن (السُنة قاضية على القرآن) وأنها تنسخه، فألغيت معظم آيات القرآن الكريم وألغيت معها منظومتها المعرفية والعلمية والثقافية وما إلى ذلك .
في ظل خضم الحياة اليومية ومشاغلها وفي ظل تراجع القيم والمبادئ الجميلة للأجيال السابقة وفي ظل الحرص على المصلحة الضيقة وفي ظل قصر النظر، تراجعت قيمة مهمة وهي قيمة الوفاء وبالأخص مع علمائنا وأستاذتنا أهل العطاء؛ مما قد يتطلب إلقاء بعض الضوء على هذه القيمة المهمة.
أولا: معنى الوفاء في معجم المعاني الجامع:
1- الوَفَيُ : الشَّرَفُ من الأَرض
2- الوَفِيُّ : التامُّ
3-الوَفِيُّ : الكثيرُ الوفاء والإخلاص ، مَنْ يفي بتعهُّداته ويقوم بواجبه.
ثانيا: معنى الوفاء اصطلاحا
هناك مَن يفهم تعويد الأطفال على المساجد خطأً. إحضار الصغار جدا إلى المسجد في رمضان لن يجعلهم يتعوّدون عليه وعلى الصلاة، بل سيجعلهم يكبرون ظانّين المسجدَ ملعبا. ومن ناحية أخرى، فأنّ إحضار الصغار إلى المسجد ثم تصميتهم ونهرهم كلما أحدثوا جلبة، تجربة سيئة ومنفرّة للأطفال، تجربة قد تجعلهم يكرهون المسجد في دخيلتهم، ويرونه مكانا للقهر والمنع والقمع.
عتبة الانزعاج بين الناس تختلف. وكونك تقدر على التركيز والخشوع في ظل صراخ صغارك أو حركتهم الدائمة، لا يعني أنّ جميع من في المسجد لديهم هذه القوة الخارقة. وكونك تستملح قفزاتهم الظريفة وأصواتهم اللطيفة، فهذا لأن "الكذا" في عين أمه غزال! وهو أمر لا ينطبق على بقية المصلّين بالضرورة.
وأنا هنا لا أتكلّم عن صلاة الفريضة، حيث قد يصدف أن يأتي وقت الصلاة ومع الأب أو الأم أطفالهم، فيدخلون للمسجد للصلاة، ولا أتكلم عن الأطفال فوق سن التمييز الذين يمكنهم الوقوف بخشوع في الصف، أو على الأقل الجلوس بهدوء. أتكلم عمن يصطحبون أطفالهم الصغار لصلاتي التراويح والقيام في رمضان.
للتو فرغت من كتاب (حياة في الإدارة) لغازي القصيبي رحمه الله، صدر الكتاب عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت دون تاريخ، ويقع في 308 صفحات من القطع المتوسط، شدني جدا فيه أسلوب القصيبي الأدبي وبلغة هادئة سلسة شفافة، والكتاب جزء من سيرة ذاتية مكتظة بكثير من التفاصيل، فالقصيبي الذي ولد في الأحساء وتربي ودرس المراحل الدراسية ما قبل الجامعة في البحرين ثم غادر إلى مصر لنيل الإجازة في الحقوق ومن ثم بعدها حصل على البكالوريوس في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا، ثم حصل على الدكتوراه من بريطانيا، يرسم خطاً متوازياً مع الأحداث فلا يتذكر أشياء دقيقة عن حياته إلا بعد أكثر من خمس سنوات حيث فقد أمه وهو ما يزال رضيعاً فتربى في حضن جدته لوالدته يتيماً، ويسرد القصيبي أحيانا التفاصيل بلا طائل، ويدخل القارئ معه في دهاليز الوظائف التي تولاها، ويخرجه ليبقى على ضفاف الكتاب عن شخصية أشبه بالأسطورة.
تعلمت من أمي وأبي رحمهما الله رحمة واسعة وجعل قبرهما روضتين من رياض الجنة درسين مهمين للحياة:
أولهما- الوسطية في كل الأمور وخاصة في الدين فلا إفراط ولا تفريط:
فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجة".
كما قال عليه الصلاة والسلام: "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون".
{gallery}galleries/miskan{/gallery}
لا بدّ أن مضيفي الطائرة يفضّلون الركاب من أمثالي؛ الصامتين، القليلي الطلبات، الغارقين في عالمهم، المنهمكين جدا في الطقطقة على الشاشة الصغيرة أمامهم بأمان. ما لا تعلمونه أعزائي المضيفين، أني كنت منشغلة جدا –ومستمتعة تماما- بتصيّد الأخطاء اللغوية الشنيعة التي تحفل بها خرائط طائرتكم المصونة!
مزيج من الضجر والانزعاج من أصوات الأطفال قادني إلى العبث بالخرائط المتوفرة على "شاشة التسلية" في الطائرة، وإذا بي أرى العجب العجاب. كررت ذلك في أكثر من رحلة، ومع شركتيْ طيران؛ واحدة محلية، وأخرى خليجية. وكانت النتيجة مضحكة، "ولكنّه ضحكٌ كالبُكا" كما قال المتنبي!
الصفحة 19 من 433