**آن الأوان للحديث في الخطوات العملية، الصغيرة، والكبيرة، والتي يجب أن نبدأ باتخاذها، بعد خمسين عاما من التوصيف والتنظير لواقعنا، الذي تصفه بالمرير الغالبية العظمى من المفكرين والإعلاميين والأدباء والمبدعين على اختلاف اتجاهاتهم وانتماآتهم في المنطقة العربية، لقد أقرّ الجميع بهذا الواقع المريض، إقرارا يستند إلى حجج منطقية، تتجلى في جميع مظاهر حياتنا، خاصة فيما تعلق بالإنسان والمجتمع وثقافتهما، اللذان لم نلتفت إليهما كثيرا ونحن نلهث في ساحات المعارضة السياسية والانقلابات العسكرية، والمغامرات الاقتصادية، والرغبة في التغيير من فوق وبالقوة، دون أن نعي دروس التاريخ في تغيير الأمم والأوطان، والتي لم تستقم إلا عن طريق تغيير الإنسان والمجتمع، كالسقوف لاتبنى إلا ببناء أعمدتها، ولاتخرّ إلا من القواعد!.
صدقا وحقا، لا أعرف من هذا الذي افترض أن ثمة ثنائية عدائية بين جمال المظهر والمخبر؟ من ذا الذي افترض أن سياسة "إما، أو" واجبة التطبيق؟ هل نحن في برنامج مسابقات حتى نختار أحدهما دون الآخر لنتأهل للسحب على الجائزة الكبرى؟
إذا أردت أن تُحرج أحدهم، فجرّب أن تسأله هذا السؤال:
"أيهما الحقيقي برأيك: جمال المظهر أم جمال المخبر؟"
وستجده -مجبرا مرغما- يقول لك دونما تفكير وكأنما يدافع عن نفسه:
"بالتأكيد جمال المخبر، الجمال جمال الروح!"
* * * * *
على عتبة الدار وقفت تنتظر
دموع على وجنتيها تنهمر
بحجابها الأبيض كانت تستتر
ترقب عودة ابنها .. وتدور الرّحى
ورقة قدمتها الكاتبة حياة الياقوت في الحلقة النقاشية التي عقدتها مجلة الوعي الإسلامي، الاثنين 24 ذو القعدة 1431 الموافق 1 نوفمبر 2010 حول "أسباب العزوف عن النقد والأدب"، بمشاركة كل من: د. محمد إقبال عروي، والشيخ طلال العامر، والكاتب أمين حميد عبد الجبار، والكاتبة حياة الياقوت.
بداية، جئت هنا محمّلة بكثير من التحايا، وواجب عليّ إيصالها:
- النبطي، والملحون، والزجل يحييونكم جميعا. ويخبرونكم أنهم في خير خير حال.
- أما "روايات عبير"، و"روايات أحلام"، وبقية القصص الرومانسية للجيب، والروايات المعربة-المهرّبة فتقرئكم وافر السلام وتقول لكم بالمناسبة "الكمية محدودة، احجز نسختك الآن".
الأدب يا قوم في صحة وعافية وبحبوحة، حتى أن وزنه ازداد مؤخرا بضعة كيلوغرامات! :)
هذه كانت مقدمة واجبة، لنعرف أن المعضلة ليست معضلة أدب، بقدر ما هي معضلة يواجهها صنف معين من الأدب. مصائب ومصاعب الأدب الفصيح، الأدب "الملتزم" –على العمومية المزعجة لهذه الكلمة- هذه المصائب ينظر لها فرع آخر من الأدب باستغراب وهو يرفل بثياب الصحة ويحمل صولجان المجد.
* * * * *
قررت لجنة المتابعة العربية في اجتماعها الذي عقدته يوم الأربعاء المصادف الخامس عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر وقف المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة الأميركية بين الفلسطينيين وإسرائيل، كونها تشكل مضيعة للوقت. في نفس الوقت أصدرت تعليماتها للسفراء العرب في الأمم المتحدة بطلب عقد اجتماع لمجلس الأمن للنظر في موضوع الإستيطان.
لقد عللت لجنة المتابعة العربية توجهها هذا وطلبها بأن إسرائيل قد قضت على أي أمل للتوصل إلى تسوية سلمية، وأن الوسيط الأميركي الذي يعمل وفق ما تمليه عليه إدارة البيت الأبيض قد تخلى عن تعهداته. بمعنى أدق فشل واشنطون في وقف الإستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.
القراءة والقراءة النوعية:
ما فتئ المسلمون يردّدون بافتخار أن أوّل كلمة أوحى الله بها إلى الرسول – صلى الله عليه وسلّم- هي: "اقرأ" وأن ذلك يدلّ على مكانة العلم في الإسلام ويدحض افتراءات الخصوم حول التناقض بين الدين والعلم، ثم يسردون آيات وأحاديث تشيد بالعلم وأهله، وكل هذا جميل لكنه يبقى أقرب إلى التشبّع الذاتي الأجوف بل والخدعة النفسيّة الّتي تجعل أمة تراوح مكانها – بل تتراجع - وهي تظنّ أنّها ترضي ربّها لأنّها تعتزّ بآية أنزلها! إن حالنا مع العلم لا يحتاج إلى شرح لوضوحه وإنّما يستلزم العلاج، ومشكلتنا مع العلم معقّدة، ولعلّ أوّل خيوط التعقيد أن المصلح ليس أمام معضلة تعليم من لا يعرف ولكنّه يواجه طامة كبرى هي إقناعه أنّه لا يعرف، وقد انتشرت الأميّة الفكريّة – فضلاً عن الأميّة ذاتها- حتّى عمّت الجامعات والمعاهد وشملت حملة الشهادات العليا إلاّ قليلاً من المؤسّسات الراقيّة والعلماء الراسخين في كل التخصّصات، ولك أن تقرأ ما ينشر من كتب ومقالات وما يلقى من خطب ودروس ومحاضرات لتتأكّد من هذه الحقيقة، ذلك أن التوجيه الرباني الأول الّذي لم يشر إلى أي عبادة أو خلق أو سلوك بل أشار إلى مفتاح العلم إنّما يقصد القراءة الجيّدة الّتي تؤدّي إلى تحصيل المعرفة الجيّدة، لكنّنا مازلنا نقرأ كثيراً مما لا ينفعنا ولا ينهض بمستوانا العقليّ، فلا بدّ إذاً من الارتقاء بنوعية ما نقرأ حتّى نتحصّل على القراءة المثمرة الّتي تزيد رصيدنا من المفاهيم المتعلّقة بحسن الفهم عن الله ورسوله من جهة والنهوض الحضاري من جهة أخرى، أي يجب علينا أن نوسّع قاعدة الفهم وتحسين إمكانات التفكير لتمهيد الطريق السليم للاجتهاد والإبداع ، وهو ما يتيح الانفتاح على الجديد والمغاير من الأفكار والفلسفات.
الصفحة 111 من 433