خلف غيمَةٍ أبدية , تربضُ المدينة بسلام , تندسُ بين رذاذِ الحلم , وتغفو على أكفُفٍ من مَطر , في ميدانِها الفسيح , قصرٌ مزهوٌّ منيف , يمُدُ أذرعته لاحتضانِ المدينة , وأعناقه لمُباهاةِ السماء , تتكومُ قببهُ فوق أسقفه كشموسٍ تنزّلت من الأفق البعيد , خاشِعةٌ حيطانُهِ في هذه الليلةِ السرمدية , تتمتم بتعويذاتِ وتمتمات دفعًا لدياجيرِ الظلامِ وأشباحه , تسكنُ البهوَ العتيق خيفةٌ مُهيبة , وتجوبُ أرجاءَهُ نسيّماتُ باردة تتوّغلُ في صمتِهِ خلسة , نُعاسُ يغشى الجميع , ويراوِدُ أعينَ الحَرسِ عن أجفانها .أذكر جيدا قصة حبي الأول: كيف تخليت عن نفسي للحلول في الحبيبة، وكيف قدمت نفسي قربانا للحبيبة، وكيف صارت الحبيبة مع توالي الأيام ترى القربان واجبا يوميا عليَّ تقديمُه.أتذكر جيدا قصة حبي الأول لأن فشلها عجل بدخولي عالم الدين الذي انتشلني من الانتحار والإدمان والاكتئاب والانهيار الشامل.
- الأب : إنك لا تعرف يا خالد كم عانيت من أجلكم !
- خالد : متى ستأتي يا والدي ؟ لا تنس اتفاقنا فقد بلغت أمس عشرين عاما .
- الأب : لقد ذكرتني يا خالد، عشرين عاما؟ هل يعقل هذا ؟ تبعثرت عشرون عاما في هذه الغربة؟ أتذكر يوم بشرني صديقي بأن اسمي وقع في القرعة؛ للعمل بالخليج معلما، لقد كنت ابن شهرين يا خالد، كانت البراءة مرسومة على ملامحك، والنبوغ يشع من عينيك.
" تراتيلٌ في محراب سارّه الروح "
كومةٌ من النور هي !
تتساقط على الروح, كنُدف الثلج على شجر الخريف
تشعُ بفتنة نوار البراري المُبلل بالماء
ترفلُ بفستانٍ صُنع من أكاليل غيمات
تتهادى على جبهة الكون, كسفيرة بياض !
تجترُ أذيال جنةٍ ملائكية من صوغ السماء
تمضي وتقول " أُحبُ كل الناس, كل الناس ".
-1-
" رغبة / حُلم "
- سأطرزه بريشة قوس قُزح, ليُبهج ناظريّ !.
مليئاً بتلاوين سماويّه لا تشبه أي زخارف أرضيّه.
-من خلف الكواليس ثرثرة -
ويحكم, ويحكم, ثم ويحكم !
يا شياطين الأدب !!
سَطَعَ نجمُه لمّا أعلنَ قاضي القُضاة المَأمون المُبرقعْ بَراءتهُ ونزاهتهُ أمَام الدّعوى التي قدّمَها شاهْ بنْدَر التجّار ضده ، والذي زَعَمَ في دَعواهُ أنّه تمّ الإحتيالُ عليه وسُرقتْ أموالهُ في ليلةٍ غابَ الشّهودُ فيها كمَا غابَت النّجومُ في كَبِدِ السّماء ، إنّه الفتى المظلوم طَرثُوث بِنْ كَمْخانْ ، فقدْ خرَجَ مَرفوعَ اللّواء وعالي الجَبينْ لمّا أُعلِنتْ بَراءتهُ أمامَ المَلأ وعمّتِ البُشرى أصقاع المدينة ، عُمرهُ لمْ يتجاوز الـعِشرون ربيعاً وهوَ فقيرٌ مُعدَم ليسَ لهُ من الأقرباء إلاّ أخوه مَحْروس بنْ كمخان الأصغر مِنهُ بِعشْرِ سَنوات ، فقدْ مات والديْهِما وأقرباءُهما عِندما داهَمَت جُنودُ جِنْكيز خان قَريَته الصّغيرة التي راحَ ضَحيتُها الجَميع وما بقيَ مِنهم سِوَى طرثوث ومحروس فقد قِيل أنّهُما كانا عِندَ مَجرى النّهر يلعَبانِ مع فتيان المدينة ، أحبّه أهلُ المدينة التي هاجر إليها وهيَ مدينة خنفسانِسْتان التي اشتُهر أهلها بالتّجارة والشّطارة ، فقدْ رُويَ عنْه أنّه كانَ يُسدي المَعروفَ دونَ مقابل ، ويَمنحُ المُحتاجِ نفسَهُ حتّى يقضي لهُ الحاجَة ، ولو شغلهُ ذلكَ عنِ العَمل وكسْبِ لقمَةِ العَيش .
الصفحة 15 من 43