ها هي تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط.إنها تسع سفن تركية ويونانية وإيرلندية وسويدية وغيرها.إنها تتحرك بشكل شرعي وفق قوانين الملاحة البحرية،محملة بالمواد الحيوية الأساسية التي يحتاجها الغزيون،وافتقروا إليها طيلة سنوات الحصار الظالم الذي فرضه الإحتلال الإسرائيلي عليها.
إن الشعب الفلسطيني بمجمله على يقين بأن هناك ضمائر إنسانية حية لم تلوثها منظومة الحقد والكراهية والتسلط على الشعوب،تقف إلى جانبه وتؤيد قضيته.والشعب الفلسطيني لا ينسى أيضا الشرفاء من بني جلدته أبناء العروبة الأوفياء وما يقدمونه دعما لقضيته الإنسانية.
لقد كان ولا يزال حصار غزة على مسمع الدنيا ومرآها، حصارا اشتركت فيه الولايات المتحدة الأميركية،والعديد من دول الإتحاد الأوروبي،ودول أخرى من هذا العالم الجاحد الظالم.إلا ان الانكى من ذلك كله ان الأنظمة العربية قد أسهمت به بصورة أو بأخرى،بل كان لها دور في تجسيده على ارض الواقع.وأما الذين لم يفقدوا الرحمة في قلوبهم،ويتحركون لنصرة شعب غزة المحاصر،فانهم يستحقون كل تقدير في المعنى والمبنى.ويستحقون أن تتوج رؤوسهم بأكليل الزهور.
أتخيّل أنه ذات يوم، هناك من جاء وافترض أن ثمة تناقض بين أمرين، وصدّقه الناس. حتى هو صدّق نفسه، تماما كما فعل جحا حين كذب وأخبر الصبية - كي يتخلص من إزعاجهم- أن هناك وليمة في الحي المجاور، وإذا به ينتهي إلى مسابقتهم إلى تلك الوليمة الوهمية!
وهذه الوليمة الوهمية نراها كل يوم بأشكال أخرى؛ نرى رجالا -ونساء أيضا للأسف- افترضوا أن ثمة تناقض بين حياء المرأة وبين أن يكون لها دور في المجتمع. فخروجها من خبائها، يعني -حتما وقدرا- ضرورة خروجها أيضا عن حيائها، وإن هي أرادات أن تكون صاحبة دور مجتمعي، فإن هذا يجب أن يكون على حساب حيائها وعفتها والتزامها بشرع ربها. وما المحصلة من هذه "الوليمة الوهمية" التي صدّقها حتى مختلقوها؟ النتيجة أن المرأة في عالمنا العربي (وأنا هنا أتكلم بشكل عام، ولا أتكلم عن الاستثناءات) ولم تبرز وتتفوق إلا في "صناعة الترفيه" (تمثيل، غناء، رقص ... إلخ) وهي مهن تعتمد على المُقدّرات الجسدية لا على القدرات العقلية. وأنا هنا أتكلم عن التفوق والبروز في مجال معين، وليس مجرد الحضور الاعتيادي في المجال. وإذا كنتم ترون أني أبالغ، افتحوا أية صحيفة واحصروا أسماء الرجال والنساء الواردة في العدد، وقسموها على المجالات التي يبرز فيها الأشخاص وستعرفون أني لا أتجنّى. احصروا عدد النساء الموصومات بالفتنة، وأولئك الموصومات بالفطنة، واحكموا بأنفسكم.
ثلاثة قضايا كبرى تواجه الأمة اليوم : "الهوية" ، و"الأخلاق" ، و " طريقة التفكير" ، وكنت قد تنبهت إلى موضوع الأخلاق مبكرا جدا أثناء حواراتي اليومية في دمشق مع الشيخ الطبيب رفيق السباعي ، والذي كان يكرر على مسامعي أن الشريعة أربعة أعمدة ، عقيدة وعبادة وأخلاق ومعاملات ، وبقيت قضية الأخلاق والمعاملات تلح على ذهني خمسة وثلاثين عاما نتيجة ماأراه وماأسمعه وماأعيشه من أوضاع مزرية تعانيها المرأة والأطفال في المنطقة العربية وفي تلك المجموعات التي نزحت من هذه المنطقة إلى ديار الغرب ، فالمرأة مطلعة بشكل أعمق على الخلل الأخلاقي في المجتمع ، نتيجة احتكاكها بخلاياه من الداخل ، من الأسرة حيث تبدو وبوضوح معضلة الأمة الأخلاقية والتربوية ، اكتشفت مبكرا أن الأزمة التي نعانيها ليست أزمة سياسية ولااقتصادية ولاحتى فكرية ، إنها أزمة أخلاق ومعاملات ، أزمة عميقة خطيرة متشعبة ، لأن "الأمة" اليوم لاتهتم بفلسفة الأخلاق ، وتمارس مجموعة من السلوكيات العقيمة المتوارثة مما تبقى من عادات الأمم التي تشكل عناصرها الإنسانية اليوم لحمة سكان المنطقة العربية ، والتي انتهت إلى الثقافة الاجتماعية العامة التي نعيشها ونورثها للأجيال ونمنحها اسم "الأخلاق" دون مراجعة ولاإعادة صياغة ولامشروعات نقد وتمحيص،محافظين على العقيدة والعبادات مُفرغة من روح الشريعة ، وقد هدمنا نصف أعمدتها في سلوكياتنا اليومية والانسانية والاجتماعية!.
حتى تكون كاتبا نحريرا، ومثقفا قديرا، يشار لك بالبنان، وتتربع على كرسي الزمان، ويكون لك الأيادي الطوال من خلال الفكر والأقوال، وتوقع للمعجبين والمعجبات من بنات الحلال، وتتوسم أعلى النياشين، وتمشي بين الفل والياسمين، ويقال عنك الكاتب المجدد، والمفكر الذي جاء على موعد، وحيد هذا الزمان، قد بز جميع الأقران، طويل الباع في الأدب، منحة الله للعرب، أرسطوطاليس هذا الزمان، وفيلسوف معرة النعمان، قد فاق المتنبي شعرا، والغزالي فكرا، والعقاد تحليلا، والمنفلوطي أسلوبا، وحتى يقال عنك باختصار بأنك نجم بل سوبر ستار، عليك بما سنرشدك إليه في هذا المضمار، مستخدمين مصطلحات خاصة من ابتكارنا، فالزمها ستجد الصحف أمامك قد فتحت، والمجلات بك احتفلت، والفضائيات لك هرولت، والجوائز تناديك إلي إلي، فاسمع واسلك شتى المسالك، ولا تلتفت لما سيقال عنك بعد ذلك:
أولا: المبضعية، نسبة إلى المبضع، وهو المشرط (المعجم الوسيط: بضع) أي عليك أن تكون جراحا ماهرا لعلل المجتمع وأدوائه، تستأصل كل أورامه السرطانية، ولا تأخذك بها رحمة، ولا بأس بإزالة شيء من حول الورم للاحتياط، وبهذا تكون كالطبيب الماهر، الذي لا يصد عنه إلا مجنون أو مكابر، ولا بأس أن تستأصل ما ليس بسرطان إذا ظننت أنه بعد مائة سنة قد يكون سرطانا، فالاحتياط واجب، ونقلة المجتمع إلى الحضارة من أصعب المهمات، وهي تحتاج إلى مزيد من التضحيات، ولو بالآباء والأمهات.
ما بال أقوام يستغلُّون صلاحياتِ المنصب للنفس والأهل والبطانة، ويستكملون الدراسات العليا بالغش والخداع والحيلة، وأهواؤهم وشهواتهم هي قوانينهم وضوابطهم، ويكتبون مقالات في الصحف لترسيخ مفاهيمَ تُغضب الله ورسوله، ويرون المنكر على أنه حرية شخصية؟!
ما بال أقوام يرون البدعة عبادة، والتخبُّط في الدين قياسًا أو اجتهادًا، ويحللون حُرمات الآخرين، ويغضبون لحرماتهم، ويخلطون الدين عمدًا بالمنطق الأعوج والفلسفة المضلّة، ويمكرون على الناس، ويتناسون أن الله خير الماكرين، ويعملون على تفريق هذه الأمة وتقسيمها إلى فرق ضعيفة ومتناحرة؟!
فُجعت الأمة الإسلامية والمنطقة العربية برحيل «محمد عابد الجابري» المفكر والفيلسوف والمجدد والأستاذ، الذي خسرت الأمة بفقده أحد كبار علمائها الأفذاذ، والذي لم تحظَ الأمة بمثله منذ مئتي عام، والذي ستبقى كتبه وبحوثه وتأملاته حيّة تمنح الأمة الكثير والكثير من التأمل والتفكر والبحث والعمل المضني للاستفادة منها في مجال إحياء العقل العربي المعاصر، واستعادته القدرة الإنسانية اللائقة لبناء حياة شريفة حرة كريمة للإنسان في هذه المنطقة.
لو لم يكن للجابري من فضل إلا سلسلة كتبه عن العقل العربي لكفته، ولو لم يكن له من مكرمة إلا اعتذاره عن معظم الجوائز التي مُنحت له والمناصب التي عُرضت عليه خلال سنوات جهاده الطويلة الزاخرة لكفته، لقد اعتذر عن عدم استلام تلك الجوائز ومعها مئات الآلاف من الدولارات ليعيش كفافاً، رجل علم ومعرفة وبحث، في بيته المتواضع، بين كتبه و «كمبيوتره» وتلك الأسلاك التي تمتد على جدران البيت، و «اللمبات» –البلورات الكهربائية– التي تزين بالنور المتواضع جوانبه، ذلك كان بيت عالم، بيت رجل عصامي عفيف، ضرب من نفسه أروع الأمثلة الحية على التقدم في مجالات الإبداع رغم الفقر والبساطة والتواضع على المستوى الشخصي، والانحطاط والهزيمة والهوان الذي تعيشه الأمة من حوله.
الصفحة 124 من 433