يبدو في العصر الحديث تراجع العقل الذي تقوده الرغبة في المعرفة؛ أو الفضول العلمي، إذ يعتقد البعض أنه بوسعهم أن يحققوا التقدم من خلال التركيز على مجالات أبحاث بعينها، وكأن بوسعهم أن يتنبؤوا بالمستقبل وبأهمية تلك المجالات فيه، وأعتقد أن أسلوب التفكير هذا بمثابة «سوء فهم» يؤثّر على ماهية المعرفة.
يظن الكثير من الناس أن "العلم المنهجي" و"الابتكار" هما مجالان متوافقان يسيران على وتيرة واحدة؛ لكن هذه ليست الحقيقة؛ والسبب هو أنّ المبتكرين التقنيين والعلماء الأكاديميين ليسوا متشابهين في طريقة التفكير، فالعلماء هم نظريون على الأغلب، أما المبدعون التقنيون فهم مهندسون ميدانيون؛ أي أنهم عمليون أكثر، فالعلماء يضعون النظريات بالاعتماد على المنهج العلمي الرسمي ويحاولون تطبيقها بالاعتماد على المسلمات العلمية المنهجية، أما المبدعون التقنيون فهم يبنون الأشياء ويراقبون ما يمكن أن تفعله هذه الأشياء؛ وقليلاً ما يلتزمون بالقواعد والنظريات السابقة الصنع، فيمكن للمبدعين أن يتقدموا على العلماء بأجيال عديدة من الناحية التكنولوجية.
يبرز مشروع الدكتور عبد الله الغذامي في النقد الثقافي البديل الحتمي للنقد الأدبي في نظره كأحد النظريات البارزة في الحقل النقدي العربي والغربي؛ والذي يندرج ضمن الدراسات الثقافية التي تهرب من ضيق المنهج إلى رحابة الاختلاط والهجنة والبينية بين العلوم والمعارف، ولعلّ صَرْحَهُ العلمي الذي شيّده مع كتابة النقد الثقافي قراءة في الأنساق العربية؛ يعتبر بحق أساس متين لبناء نظرية نقدية تضع المرآة الحقيقية أمام الإنسان العربي لمعرفة ذاته والانطلاق نحو رحلة التصحيح، إلا أن النظرية لا تخلو من بياضات وفراغات حاولنا في هذا المقال المتواضع أن نضيئها متلمسين نقط الضوء عند هذا الصرح النقدي العظيم إلى جانب نقط العتمة والضباب.
يمكن القول بأن السبب الرئيسي لعدم تحقيق مجتمعات أو مؤسسات عامة التقدم المنشود؛ هو أنه تسودها ثقافة سلبية وهذه الثقافة ليست دافعة إلى الأمام، بل تدفع إلى الخلف، ويمكن القول بأن أبرز عناصر هذه الثقافة العامة السلبية هو: عدم صفاء النوايا على نحو متبادل بين أغلب أفراد مجتمع أو مؤسسة ما، ومحاولة تصيد أخطاء لغيرهم؛ مما قد يفسد أي عمل جماعي؛ حيث يعتقد أغلب أفراد هذا العمل أنه توجد مصالح خاصة لدى غيرهم؛ وبالتالي لا يكتمل العمل. ويرجع ذلك إلى محاولة العديد من أفراد مجتمع أن يعظموا إنجازاتهم ويبخسوا إنجازات زملائهم ، وإلى اختفاء مفهوم المصلحة العامة ومفهوم الإنجاز الجماعي لدى أغلب الأفراد، بينما يعلو في الأفق مفهوم المصلحة الخاصة والإنجاز الفردي لديهم ؛ مما يؤدي إلى إحباط الآخرين وإحجامهم عن المشاركة في أي عمل جماعي وسط نظام ضعيف للحافز الجماعي، وبالتالي تسود فكرة العمل الفردي.
كما يعد من أبرز عناصر هذه الثقافة العامة السلبية التي قد تسود مجتمع أو مؤسسة عامة ما هو: اختفاء الاحترام والتقدير المتبادل بين أغلب أفراد مجتمع أو مؤسسة عامة وسط ضعف نظام المساءلة داخل هذا المجتمع أو هذه المؤسسة؛ حيث يحاول أغلب الأفراد التقليل من شأن الآخرين ومن شأن زملائهم ومكانتهم ومن شأن آرائهم وخاصة عند الحوار؛ على وهم بأن ذلك يرفع من مكانتهم؛ وبالتالي تختفي قواعد وآداب الاختلاف في الآراء لدى أغلب أفراد مجتمع أو مؤسسة عامة ؛ حيث عند اختلاف الحوار قد تقع شتائم وتجريح وقذف متبادل بين أغلب المختلفين، ؛ لتسود حالة من عدم الاحترام والتقدير المتبادل بين الأفراد والزملاء في العمل الواحد ، وعدم مراعاة مشاعر الآخرين وعدم الحفاظ على حقوقهم وكرامتهم؛ بل قد يتعدى الأمر إلى محاولة إهانة كل للآخر وإقصائه من المشهد.
وأيضا يعد من أبرز عناصر تلك الثقافة العامة السلبية هو: عدم الاعتراف بالكفاءات والمتخصصين وسط نظام ضعيف للحافز الفردي في مجتمع أو مؤسسة عامة؛ فأغلب أفراد المجتمع أو المؤسسة العامة يتحدثون في جميع الأمور ويدلون بدلوهم ويعتقدون أنهم يفهمون في كل مجال ، بل إنهم يجادلون كفاءات متخصصة في آرائهم على نحو يثير الاستغراب، كما أن الكثير من المديرين ونوابهم في مجتمع أو مؤسسة عامة قد لا يكونون كفاءات متخصصة، بل إن مستشاريهم قد يكونون أيضا من غير الكفاءات المتخصصة، وهذه هي الطامة الكبرى في الإدارة العامة والمحلية.
كذلك يعد من أبرز عناصر هذه الثقافة العامة السلبية هو: عدم تعلم أغلب أفراد مجتمع أو مؤسسة عامة من أخطائهم وسط نظام ضعيف للمحاسبة ؛ حيث يكرر أغلب الأفراد أخطاءهم وأخطاء سابقيهم على نحو يثير الشفقة والسخرية معا، الشفقة على هذا المجتمع الذي يتحمل الخسائر الواحدة تلو الأخرى، والسخرية من هذا التكرار العجيب لأخطاء الماضي القريب قبل البعيد، وقديما قيل شر البلية ما يضحك.
وبالتالي يمكن القول بأن هذه الثقافة العامة السلبية تؤدي إلى عدم تحقيق المجتمع أو المؤسسة العامة التقدم المنشود؛ حيث يدخل الأفراد في صراعات يمكن أن تقود جميع أفراد المجتمع أو المؤسسة العامة إلى حافة الهاوية.
التدقيق اللغوي لهذه المقالة: شوق البرجس
أتى أمر الله وقضى الشاعر المهندس سليم عبد القادر زنجير، وكتب الله له الراحة الكبرى بعد معاناة أليمة، نسأل الله عز وجل أن يرفعه بها درجات في الفردوس الأعلى. وكان نظام البعث قد حكم عليه بالإعدام حضوريًا عام 1979 لكن الله سبحانه وتعالى نجاه وكتب له عمرًا جديدًا مثمرًا أتم فيه دراسته وأنجب أولاده ونظم فيه أشعاره. وحينما دعيت لمقابلته تصورته بشكل معين، فإذا بي أرى شابًا رقيقًا نحيل الجسم، خفيض الصوت، جم الكياسة والتواضع والتهذيب، طليق اللسان يعبر دون خجل عن الواقع بصراحة لايغيب عنها المرح.
وفي المرات القليلة التي التقيته بها بعد ذلك لم أجده قد تغير، وإنما اكتشفت فيه صفات الزهد والكرم مع اعتداده الشديد بكرامته ولم يكن يهتم أبدًا بجمع المال واكتنازه فإن أتاه أحله بمنزلة العبد وليس بمنزلة الصنم. وكان سليم يرحمه الله لا يتخلى عن كياسته ورقته أبدًا وكان يراعي مشاعر الناس، فلم يكن يتكلم إلا بحساب مراعيًا ألا يغمط أحدًا حقه وألا ينسى من أحسن إليه ولو بنظرة أو ابتسامة. وكان مسامحًا لكل الناس ولا يجد في الحياة ما يستحق الخصومة أو أن يحمل الانسان في نفسه شيئًا، فكان سعيدًا مرتاحا. ومع ميله للشعر والأدب فإنه كان يحب الرياضيات ويعلمّها لأولاده كعلم يحبه ويفهمه ويندمج فيه ويستنطقه ويتكلم عنه. وكان رحمه الله يمتاز بالشجاعة في التفكير ومواجهة المشاكل، فلم يكن يلجا للهروب واللف والدوران، بكل كان يجلو لب المشكلة ويصل إليه بسهولة سواء أكان قادرًا على التصرف حيالها أم لا. وكان لديه مكتبة ضخمة جمع فيها كتب اللغة والشعر لتعنيه في دربه الذي اختاره.
وقد أحس سليم بفجوة في تراثنا الأدبي تتمثل في غياب شعر الأطفال وأناشيدهم وأهازيجهم، وأحس بقدرته على سد هذه الفجوة، فترك عمله ووضع شهادة الهندسة على الرف وتفرغ لكتابة أشعار الأطفال وأخلص لها. وجمع حوله أخويه عبد الله، وصديق عمره محمد سداد عقاد فأسسوا شركة سنا للإنتاج الإعلامي التي حولت أشعاره إلى أغان جميلة مصورة بطريقة الفيديو كليب. وقد وفّقه الله وأصبحت أناشيده على لسان الأولاد في كل مكان ينطق أهله بالعربية. وفي بلاد المغرب العربي حيث فرنسا حاولت فرنسا محو اللغة العربية عبر احتلال دام أكثر من قرنٍ من الزمان شرّد معظم السكان في الجبال ودمر الكثير من المكونات الثقافية، أخدت الأمهات يهدهدن لأطفالهن بأشعار سليم عبد القادر التي وصلتهم عبر أناشيد الطفل والبحر ليناموا على ألحانها بدلا من "فريرو جاكو، فريرو جاكو، دورمي فو، دورمي فو، سونّي لا ماتينو دين دان دون". وصارت أشعاره وسيلة لتعليم الأطفال العرب في مهاجرهم مبادئ الإيمان واللغة العربية الفصحى السهلة الواضحة.
في بداية كل عام دراسي أوجّه طلابي في المدرسة أو في الجامعة توجيهات عامة، تفيدهم في حياتهم الدراسية أو الخاصة أو العامة. وهو شأن يقوم به جُلّ المعلمين والمربين.
وفي بداية هذا العام، عنَّ لي خاطر مُلِحٌّ أنْ أحدثهم عن أهمية إدراك الزمن والتاريخ الذي نحن فيه في كل يوم، بل في كل ساعة إن أمكن، وأن نهتم بتسجيله في بدايات حصصنا وفي دفاترنا، لنكون متذكرين له دومًا، وهذا أمر يفعله كثيرون غيري.
وفي كل عام، وفي مرات كثيرة من العام، ألفت أنظار الطلاب إلى أهمية معرفة التاريخ وإدراك الزمان الذي نحن فيه، من قرن وسنة وشهر ويوم، بالتقويم القمري والشمسي.
ولكن كان إلحاحي عليه في هذا العام شديدًا؛ لأنني أيقنت أنَّ إدراك الزمن ومعرفة التاريخ من خصائص الإنسان الحقيقي.
تأملاتٌ في آياتٍ من القرآن الكريم
(سورة المائدة)
1- "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ" (المائدة:1-2).
العقود هي العهود ولأن المؤمنين هم المخاطبون فإن العهود هي عهود الإيمان أو العهود التي يقتضيها الإيمان في شؤون العقيدة والمعاملات وغيرها مما أمر الله تعالى به في كتابه الكريم، ومن هذه العهود ما شرّعه سبحانه لعباده بشأن طعامهم وشروط حلّيّته، وهذا هو الرابط بين الأمر في قوله سبحانه " أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" والخبر في "أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ".
وقوله تعالى:"لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ" تأكيد على الإيفاء بالعهود وتذكير ببعضها ثم تفصيلٌ للحلال من الطعام في الآيتين الثالثة والرابعة وجزء من الخامسة، ثم ذُكرت في السورة عهود أخرى تتعلق بالوضوء والشهادة والعدْل، وفي الآيات 12 إلى 14 بيانٌ للعهود التي أخذها الله تعالى على اليهود والنصارى ولكنهما نكثا ما تعاهدا عليه؛ فكانت عاقبة اليهود اللعن وقسوة القلب "فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً" (المائدة:13)، وعاقبة النصارى؛ تشتت القلوب والكلمة "وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (المائدة:14). وفي هذا تحذير خفيٌّ للمؤمنين أن يصيبهم ما أصاب أولئك إن لم يوفوا بعهود الله تعالى.
الصفحة 76 من 433